محمد بن علي الشوكاني
5118
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
المفسرين فقد أسلفنا ما فيه . وإن قلتم غير ذلك فما هو ؟ . وإن أردتم بالنوع المخصوص هو ما لم يدل دليل على منعه فمسلم ، ومحل النزاع لم يمنع مانع منه ، وهذا ظاهر قولكم . فإلزام أعظم أنواع الصغار محتاج إلى دليل . قلنا : لا تنكرون أن إطلاق الصغار في القرآن يقتضي صدقه على الأعظم ، كما يقتضي صدقه على الأوسط ، والأحق ، فالدليل على جواز ذلك قرآني . ثم إذا كان الصغار هو الذلة والإهانة فذلك مطلوب للشارع ، وما كان أدخل في بابها كان توجه الطلب والقصد إليه أولى ، وأما عمل الأمة بغير ذلك فمع كون مجرد العمل بدون قدح في الدليل ولا إنكار ، وكون المقام محل خلاف فممنوع ، والمسند أن أهل القرى الباقين على أحوال العرب ، وأهل المدن الخالية عن أهل الذمة من الأمة . وهل حصل لكم الاستقراء التام في أقطار الأرض بأن الأمة على ذلك العمل ؟ عولنا في ذلك عليكم ، وأجبنا بما يقدح في حجيته كل إجماع ، فكيف بهذا النوع فإن قلتم : إن مثل هذا العمل وإن كان من بعض الأمة لا يخفى على باقيها ، فمع كونه قولًا بالظن ، وتخمينًا ممنوع ، والسند أن ملوك أقطار بأرض الإسلام قد تخفى علينا أسماؤهم وحروبهم ، وما هو أشد من ذلك ، فكيف لا يخفى مثل هذه القضية وينبغي أن تمعنوا النظر في أصل تذكرة هاهنا ربما أفاد ، وهو أن المسلمين بأسرهم أجمعوا ( 1 ) على نجاسة العذرة ، وتحريم التلوث بها ، وأنه منكر يجب اجتنابه ، والنكير على ملابسته ، ففعل هؤلاء المسلمين محرم بالإجماع ، ومنكر بلا نزاع ، وتقرير من قررهم لا يكون مخصصًا لهذا الدليل ، واحتجاجكم بتسميد الأرض يستحي ، الكلام عليه حينئذ وجب عليكم الإنكار على أولئك المسلمين ، ومنعهم بدليل إجماعي أنهض من الدليل الذي ذكرتم .
--> ( 1 ) انظر " فتح الباري " ( 4 / 414 - 417 ) .